٢٢‏/٠٦‏/٢٠٢٦، ١٠:٥٠ ص

لماذا تُصرّ إيران على وقفٍ شامل لإطلاق النار في لبنان كشرطٍ مسبق لاستمرار المفاوضات مع امريكا؟

لماذا تُصرّ إيران على وقفٍ شامل لإطلاق النار في لبنان كشرطٍ مسبق لاستمرار المفاوضات مع امريكا؟

ترى طهران أن استمرار التوتر أو المواجهة في لبنان لا يمثل أزمة محلية فحسب، بل يشكل حلقة ضمن سلسلة أوسع من عوامل عدم الاستقرار الإقليمي، الأمر الذي قد ينعكس سلباً على أي مسار دبلوماسي. لذلك، تؤكد إيران أن الوصول إلى اتفاق مستقر وموثوق مع امريكا يبقى أمراً بالغ الصعوبة ما لم تتوقف المواجهات في لبنان.

وكالة مهر للأنباء: في ظلّ التوترات المتصاعدة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، وبالتزامن مع استمرار المفاوضات بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والولايات المتحدة، برز الملف اللبناني بوصفه أحد أبرز المحاور المؤثرة في الخطاب السياسي والدبلوماسي والإعلامي. وفي هذا السياق، أثار إصرار طهران على ضرورة إرساء وقفٍ شامل لإطلاق النار في لبنان قبل استئناف أي مسار تفاوضي مع واشنطن تساؤلات واسعة لدى المراقبين والمحللين الإقليميين والدوليين.

ولا يُنظر إلى هذا الموقف الإيراني على أنه مطلب تكتيكي عابر، بل يُعدّ جزءاً من رؤية استراتيجية أشمل في السياسة الخارجية الإيرانية، تقوم على ترابط الملفات الإقليمية مع مسارات التفاوض الدولية، واعتبار الأمن الإقليمي منظومةً متكاملة لا يمكن التعامل مع عناصرها بصورة منفصلة.

مذكرة التفاهم ذات البنود الأربعة عشر

ويكتسب هذا الطرح أهمية إضافية في ضوء ما ورد في مذكرة التفاهم المؤلفة من أربعة عشر بنداً بين إيران والولايات المتحدة، حيث ينص أحد بنودها الأساسية على ضرورة إنهاء المواجهات في جميع ساحات المنطقة، بما فيها لبنان. ويعكس ذلك قناعة إيرانية بأن الملفات الأمنية الإقليمية ليست منفصلة عن المفاوضات النووية أو الحوار الثنائي مع واشنطن، بل تشكل جزءاً من منظومة أمنية واحدة ومترابطة.

لبنان.. عقدة أمنية في معادلات المنطقة

تحوّل لبنان خلال السنوات الأخيرة إلى إحدى أكثر ساحات المواجهة غير المباشرة حساسية بين إيران والولايات المتحدة وحلفائهما الإقليميين. فالموقع الجيوسياسي للبنان، وتعدد الفاعلين المحليين والخارجيين، إضافة إلى الدور الذي تؤديه قوى المقاومة في معادلاته الأمنية، جعل من أي تصعيد على الساحة اللبنانية عاملاً مؤثراً بصورة مباشرة في بقية ملفات المنطقة.

ومن هذا المنطلق، ترى طهران أن استمرار التوتر أو المواجهة في لبنان لا يمثل أزمة محلية فحسب، بل يشكل حلقة ضمن سلسلة أوسع من عوامل عدم الاستقرار الإقليمي، الأمر الذي قد ينعكس سلباً على أي مسار دبلوماسي. لذلك، تؤكد إيران أن الوصول إلى اتفاق مستقر وموثوق مع الولايات المتحدة يبقى أمراً بالغ الصعوبة ما لم تتوقف المواجهات في لبنان بصورة كاملة.

ربط المفاوضات بالتطورات الميدانية

تميّزت السياسة الخارجية الإيرانية خلال السنوات الأخيرة بربط مسار التفاوض الدبلوماسي بالوقائع الميدانية في المنطقة. ويستند هذا النهج إلى قناعة مفادها أن أي اتفاق سياسي لا يواكبه تغيير في المعادلات الأمنية على الأرض لن يكون قابلاً للاستمرار.

وانطلاقاً من ذلك، يمكن فهم الإصرار الإيراني على وقف إطلاق النار في لبنان باعتباره محاولة لتحقيق توازن متزامن بين طاولة المفاوضات والميدان. فوفق الرؤية الإيرانية، فإن اقتصار المفاوضات على الجانب السياسي من دون معالجة التطورات الميدانية سيؤدي إلى إعادة إنتاج الأزمات في مراحل لاحقة.

البند الأول من مذكرة التفاهم.. وقف المواجهات في جميع الجبهات

ينص البند الأول من مذكرة التفاهم الإيرانية ـ الأميركية بوضوح على ضرورة إنهاء المواجهات في جميع الجبهات الإقليمية، وهو بند يُعدّ الأساس الذي تستند إليه بقية بنود الاتفاق.

وترى طهران أن هذا النص يعكس اعترافاً بأن الأمن والاستقرار الإقليميين يشكلان وحدة متكاملة، وأنه لا يمكن معالجة أزمة بعينها بمعزل عن بقية الأزمات.

ويحظى لبنان في هذا السياق بأهمية خاصة، نظراً إلى كونه أحد أبرز مراكز التوتر في معادلات الصراع المرتبطة بإيران والولايات المتحدة، الأمر الذي يجعل الإصرار الإيراني على وقف إطلاق النار فيه ترجمة عملية للبند الأول من مذكرة التفاهم.

مفهوم إيران لوقف إطلاق النار الشامل

لا يقتصر مفهوم وقف إطلاق النار الشامل، وفق الرؤية الإيرانية، على وقف العمليات العسكرية بصورة مؤقتة، بل يشمل مجموعة من الضمانات الأمنية المستدامة، من بينها:

• وقف العمليات العسكرية المباشرة وغير المباشرة.

• منع الهجمات عبر الحدود.

• الحد من الأنشطة الأمنية الاستفزازية.

• إنشاء آليات رقابة تضمن عدم عودة التصعيد.

وتعتقد إيران أن أي اتفاق سياسي يفتقر إلى ضمانات ميدانية واضحة لن يؤدي إلى حل الأزمة، وإنما سيؤجل انفجارها إلى مرحلة لاحقة، وهو ما يفسر طرح وقف إطلاق النار في لبنان كشرط سابق لاستكمال المفاوضات.

الحسابات الاستراتيجية الإيرانية

يمكن فهم هذا الموقف الإيراني على ثلاثة مستويات رئيسية:

أولاً: مستوى الأمن القومي.

ترى إيران أن استمرار التوتر في لبنان قد يؤدي إلى اتساع دائرة عدم الاستقرار داخل محور المقاومة، بما ينعكس في نهاية المطاف على أمنها القومي.

ثانياً: مستوى المفاوضات الدولية.

تعتقد طهران أن أي تفاهم مع الولايات المتحدة لن يكون قابلاً للاستمرار ما لم يترافق مع تهدئة متزامنة في مختلف الجبهات الإقليمية.

ثالثاً: مستوى الردع.

ترى إيران أن ربط مسار التفاوض بالوضع الميداني يشكل أداة ردع تحول دون لجوء الطرف الآخر إلى التصعيد في جبهات أخرى أثناء سير المفاوضات.

رسالة استراتيجية تتجاوز لبنان

في المحصلة، ينبغي النظر إلى إصرار إيران على وقف شامل لإطلاق النار في لبنان باعتباره جزءاً من رؤية متكاملة للأمن الإقليمي، تقوم على أن أي اتفاق دائم لا يمكن أن يتحقق من دون تزامن المسار السياسي مع التهدئة الميدانية.

ومن هذا المنطلق، فإن أي اتفاق يقتصر على معالجة ملف واحد، من دون معالجة جذور التوتر في المنطقة، لن يفضي ـ بحسب الرؤية الإيرانية ـ إلى سلام مستدام، بل قد يمهد الطريق لأزمات جديدة في المستقبل.

ويجسد البند الأول من مذكرة التفاهم ذات البنود الأربعة عشر هذه الفلسفة بوضوح، إذ يدعو إلى إنهاء المواجهات في جميع الجبهات ضمن حزمة أمنية متكاملة، وليس بصورة انتقائية، الأمر الذي يجعل لبنان جزءاً من منظومة الأمن الإقليمي، وليس ملفاً منفصلاً عن مستقبل العلاقات الإيرانية ـ الأميركية.

وفي الوقت نفسه، يحمل هذا الموقف الإيراني رسالة استراتيجية أخرى، مفادها أن الجمهورية الإسلامية لا تفصل بين مصالحها ومصالح حلفائها في أي ترتيبات إقليمية أو دولية. فالتجربة الممتدة على مدى أكثر من أربعة عقود، بحسب الرؤية الإيرانية، تؤكد أن طهران لا تتعامل مع حلفائها باعتبارهم أدوات مرحلية في سياستها الخارجية، وإنما تنظر إليهم بوصفهم جزءاً من معادلة أمنية مستقرة في المنطقة.

ومن هنا، فإن أي اتفاق يُراد له أن يرسم ملامح نظام إقليمي جديد ينبغي، من وجهة النظر الإيرانية، أن يراعي أمن ومصالح جميع الأطراف الحليفة.

"وحدة الساحات".. ركيزة في الرؤية الإيرانية

في هذا الإطار، يبرز مفهوم «وحدة الساحات» باعتباره أحد أهم المرتكزات التي أصبحت تحكم المعادلات الإقليمية خلال السنوات الأخيرة. ويقوم هذا المفهوم على أن التطورات الأمنية في أي ساحة من ساحات المقاومة تنعكس بصورة مباشرة على الساحات الأخرى، وأن مصير هذه الجبهات مترابط ولا يمكن فصله.

وبناءً على ذلك، ترى طهران أن لبنان وفلسطين والعراق وسائر الساحات الإقليمية تشكل منظومة أمنية واحدة، وأن تحقيق الاستقرار الدائم لن يكون ممكناً إلا من خلال معالجة أوضاع هذه الساحات بصورة متزامنة.

وعليه، فإن الإصرار الإيراني على وقف شامل لإطلاق النار في لبنان يتجاوز كونه شرطاً تكتيكياً لاستمرار المفاوضات مع الولايات المتحدة، ليعكس استراتيجية شاملة تعتبر الأمن الإقليمي وحدةً غير قابلة للتجزئة، وتؤكد أن أي تسوية مستدامة لن تنجح ما لم تأخذ في الاعتبار الوقائع الميدانية، ومصالح الحلفاء، ومبدأ «وحدة الساحات».

رمز الخبر 1971757

سمات

تعليقك

You are replying to: .
  • captcha